السيد محمد بيرم الخامس التونسي
94
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
وأما تشقند : فقد صارت ولاية روسية تحت حكم جنرال روسي ، فهي حينئذ مشمولة بالكلام الذي سبق في أحوال مملكة الروسيا . وأما خوقند : فلا زالت مستقلة تحت إمارة خانها ، وحكمها إستبدادي وعدد سكانها نحو مليونين . وأما قبائل التركمان : فقاعدة مملكتهم هي « مرو » . وموقعها جهة الشرق الجنوبي من بحر قزبين المستملكة جميع شطوطه الروسيا ، وعدد السكان نحو مليونين ونصف لكنهم ليسوا خاضعين حقيقة للخان وإنما هم قبائل لكل منها رئيس ، وكأنها مع أختها لا تلبثان أن تلحقا أخواتيهما إذ الحرب الآن قائمة على ساق بين الروسيا وقبيلة تيكي ، وقد كسروا الروسيا في هذا العام وهو سنة ( 1297 ه ) مرّتين إنكسارا هائلا ولا زالت تستعد لحربهم ، وإخوانهم ممن استولت الروسيا عليهم وغيرهم ينظرون إليهم كما كانوا هم ينظرون إلى حربهم معها ، إلى أن ينفذ حكم اللّه الذي لا معقب لحكمه وتكون له الحجة البالغة سبحانه وتعالى ، حيث تفرّق المسلمون شيعا للأغراض والأهواء النفسانية ، ولم يجروا الشرع في الأحكام الكلية والجزئية وأخلدوا إلى الجهل والتنعمات الزائلة ، حتى تمكن العدوّ منهم وصارت بلدان الإسلام ومناخ العلوم لعبة بأيدي الأعداء وأصحاب الأهواء - ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم - فوا أسفاه على بخارى وسمرقند وغيرهما من مدارس الدنيا في الفنون والعلوم الدينية والرياضية ، وواها على تلك الدقائق والاستنباطات والإختراعات لتأسيس العلوم وتهذيبها وإتقانها ، ورحم اللّه أولئك الرجال الذين عمروا الأرض وحموا الدين ولم تزل الأمم تستنفع بمعارفهم إلى الآن ، ولم يعملوا بها بل ولم يتعلموها حق علمها حتى كادت أن تصير في خبر كان ، واللّه يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين . الفصل الخامس عشر المملكة الخامسة عشر هي ممالك الأئمة في جزيرة العرب هاته الممالك يحيط بها البحر من جهتين : فمن الشرق خليج فارس ، ومن الجنوب المحيط الشرقي ، ويحدّها غربا الحجاز واليمن من توابع الممالك العثمانية وعدن التابعة للإنكليز ، ومن الشمال العراق العربي للدولة العثمانية . وهاته الممالك هي المعروفة سابقا بنجد ، وتهامة ، واليمامة ، وأخلاقهم هي أخلاق العرب في هذا العصر من التجرّد عن أغلب الصفات التي كانت للعرب السابقين ، وأما الديانة في الجميع فهي الإسلام ، وأما المعارف والعلوم فكاد أن لا يعرف عندهم منها اسم ولا مسمى إلا قليلا منهم في قليل من علوم الدين ، والحاصل أنهم أمم يقرّ بهم الجغرافيون بستة ملايين من النفوس على البداوة ، وأغلبهم رحالة ينقسمون في الأحكام إلى شيع كثيرة يلقب كل رئيس منهم بالإمام ، كإمام مسقط ، وإمام رياض بنجد من الوهابيين ، أعني أتباع عبد